خطب و دروس

447 0

الرئيسية » الفتاوى » مشروعية صيام ستة شوال، وفصلها عن يوم العيد، وحقيقة ما نُقِل عن الإمام مالك في كراهتها والرد على المدعو ابن قرناس في نفيه لمشروعيتها

بحث في الفتاوى

صفحة للطباعة
ارسل الى صديق
مشروعية صيام ستة شوال، وفصلها عن يوم العيد، وحقيقة ما نُقِل عن الإمام مالك في كراهتها والرد على المدعو ابن قرناس في نفيه لمشروعيتها

السؤال رقم 3280 - تاريخ النشر 2016-07-21        

بسم الله الرحمن الرحيم

مشروعية صيام ستة شوال، وفصلها عن يوم العيد

وحقيقة ما نُقِل عن الإمام مالك في كراهتها

والرد على المدعو ابن قرناس في نفيه لمشروعيتها

أولاً- مشروعية صيام ستة شوال:

       يرى جمهور الفقهاء -وكاد يكون إجماعا لهم بما فيهم من صحابة وتابعين ومن بعدهم- يرون أن صيامها سنة ومستحب، وسواء وُصِلَت بالعيد أم فُصِلت عنه، وسواء تصام متتالية أم متفرقة ضمن الشهر.

       أما الإمام مالك -رحمه الله تعالى- : فقد كَرَّه صومها إذا وُصِلَت بالعيد وصامها علنا.

       أما إن أخَّرها عن يوم العيد أو فرَّقها، أو وصلها سراً دون إعلان: فلا كراهة.

واستدل للكراهة بما يأتي:

       1- إن وَصْلَها بالعيد يُعد إلحاقا لها برمضان، مع إنه فرض وهي سنة ليست من رمضان.

       ويجاب عن هذا: إن إفطار العيد يكفي فاصلاً بينها وبين رمضان فلا يمكن القول بالإلحاق برمضان.

       2- إن أهل العلم يكرهون صيامها -يعني أهل المدينة- ويخافون بدعته.

       ويجاب عن ذلك: إن مثل صومها بعد العيد يشبه صلاة البعدية بفرض الظهر، فإن الفاصل بينهما السلام وتحريمة صلاة البعدية، والبعدية لا يخشى كونها بدعة؛ فكذا صوم السنة يفصل بينها وبين رمضان العيد فلا يُخشى وقوع البدعة في ذلك.

       3- يقول مالك: ما رأيت أحدا من أهل العلم يصومها -أي علماء المدينة-.

       ويجاب عن ذلك: بأنه نفى عن رؤيته ولم ينف مشروعيتها، يقابل هذا النفي أن جمهور العلماء يرون أنها مستحبة استناداً إلى قوله -صلى الله عليه وسلم- : {من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر}.

       فمالك يقول بمشروعيتها، ويُكرِّه صومها في حالة واحدة فقط وهي ما سبق ذكرها.

       إذن هي من المجمع على صيامها.

ثانياً- إنكار مشروعيتها:

       لم يُنكر مشروعيتها من العلماء السابقين واللاحقين.

       إلا أنه من المؤسف أن يظهر في هذا العصر أشخاص يحسبون أنفسهم على أهل العلم ولكنهم يجارون الموجة الحديثة التي تهدف إلى عدم اعتبار السنة مصدراً من مصادر التشريع بعد القرآن الكريم، وهذا أمر في غاية الخطورة على التشريع الإسلامي؛ لأن اتجاههم هذا سيهدم أكثر من 50% من التشريع في الفروع الفقهية، وفيه اتهام لأصحاب المذاهب بعدم الفهم في التشريع الإسلامي.

       فقد عثرت على مقالة لكاتب أطلق على نفسه اسم (ابن قرناس) نفى فيه مشروعيتها، مع سوقه للحديث الدال على مشروعيتها وذكر من أخرجه فقال: "أورده مسلم 206-261 وكرره أحمد في مسنده 164-241" إلا أنه طعن في أحد طرقه وهو ما روي عن طريق سعيد بن أيوب الخزاعي، ومنه إلى عمرو بن جابر الحضرمي، فقال عن الحضرمي: إنه من غلاة الشيعة؛ لذا فإنها غير مشروعة.

فنقول له:

       1- إن كنت أنت متكاسلاً عن صيامها فإنها سنة، واترك الأمة تثاب على صيامها لتكون مع رمضان كصيام السنة { كان كصيام الدهر}.

       2- عدم إخراج البخاري لحديثها لا يدل على أن حديثها غير صحيح ولا سيما وقد اخرجه من ذكرهم من المُحَدِّثِين؛ لأن البخاري لا يقبل الرواية في صحيحه إلا من اتصف بالمعاصرة واللقي، ومسلم يكتفي بالمعاصرة؛ لذلك تلقت الأمة صحيحهما بالقبول دون تردد في صحة ما ورد فيهما، ولا يضر اتهام الشاذين لهما بعدم الصحة.

       3- إن عمرو بن الحضرمي توبع من قبل الصحاح التي ذكرها ابن قرناس وهو يكفي لرفع الحديث إلى درجة الحسن على الأقل.

       4- إن ما ورد عن مالك في الموطأ قد أجبت عليه فيما سبق، ومع ذلك لم ينكر المشروعية بل كَرَّه صومها في حالة واحدة وهي التي ذكرتها سابقا.

       وإليك توثيق رواة الحديث عند مسلم وغيره بموجب ما زودنا به المحدث الكبير الدكتور بشار عواد بقوله:

       رواية جابر بن عبد الله الأنصاري لا تصح عنه؛ لأنه رواها عنه عمرو بن جابر الحضرمي وهو ضعيف؛ لأنه رافضي، ولا وجود لها في مسلم.

       ولكن رواية ثوبان مولى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تصح عنه، وقد أخرجها أحمد في المسند، والدارمي في سننه، وابن ماجه، والنسائي في السنن، وابن خزيمة في صحيحه، وابن حبان في صحيحه، كلهم من طرق صحيحه.

       وذكر خمسة رواة رووا الحديث عن يحيى بن الحارث الذماري أبي عمرو الشامي القارئ الثقة، عن أبي أسماء الرحبي الثقة، عن ثوبان -رضي الله عنه-، والخمسة هم: إسماعيل بن عياش الحمصي، وصدقة بن خالد الأموي مولاهم أبي العباس الدمشقي، ومحمد بن شعيب بن شابور الدمشقي، والوليد بن مسلم الدمشقي، ويحيى بن حمزة بن واقد الحضرمي الدمشقي، وكلهم من الثقات.

       كما أخرجه مسلم في صحيحه عن ثلاثة من شيوخه الثقات، وهم: يحيى بن أيوب، وقتيبة بن سعيد، وعلي بن حُجْر، عن إسماعيل بن جعفر الثقة، عن سعد بن سعيد أخي يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمر بن ثابت، عن أبي أيوب الأنصاري.

       وأخرجه مسلم أيضاً عن محمد بن عبد الله بن نمير، عن سعد بن سعيد. إنتهى باختصار وتصرف بسيط.

       أما الرواية عن طريق سعيد بن أبي أيوب إلى عمرو بن جابر الحضرمي: فلا وجود لها في صحيح مسلم، وإن وجدت في بعض الروايات في مسند أحمد فلا اعتبار له؛ لأنه رواه من طرق أخرى.

ثالثاً- إدعاء فضيلة فصلها عن يوم العيد:

       اطلعت على فتوى صادرة من الشيخ محمد بن محمد المختار الشنقيطي يفضل عدم صيامها بعد العيد مباشرة، بل بعد يومين من العيد، وذكر دليلين على الأفضلية، فأعطى الأفضلية بالفصل حكماً شرعياً.

       وياليته استدل بما استدل به مالك على كراهية وصلها بالعيد، أو يقول بالأفضلية الاجتماعية وليست الشرعية.

واستدل بما يأتي:

       1- بالقياس على أيام التشريق بعد الأضحى؛ فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- حرَّمَ صيامها، وعلَّلَ التحريم: بأنها أيام أكل وشرب، وبعد عيد الفطر زيارات وأيام أكل وشرب.

       الجواب: إن هذا قياس مع الفارق من أوجه:

       الوجه الأول: أنه إذا صام أيام التشريق يأثم وإذا صام ستة شوال لا يأثم.

       الوجه الثاني: إن صوم ستة شوال سنة وصوم أيام التشريق محرم.

       الوجه الثالث: إن منع صوم التشريق لأجل التنعم بلحوم الأضاحي وهو مقصود بالأكل، ولا توجد الأضاحي في عيد الفطر.

       2- قاس إفطار ما بعد عيد الفطر على حادثة حدثت، وهي أن بعض أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- رافق رسول الله في دعوة دعاه إليها أحد الأنصار، فلما وضع الطعام تنحى وقال: إني صائم، فقال له -صلى الله عليه وسلم- {أفطر وصم غيره}.

       وبناءً على ذلك صار من المستحب أن الصائم نفلاً إذا حل به ضيف أن يفطر ليتناول معه الطعام، أو حل ضيفاً ورغب المضيف تناول طعامه أن يفطر في كلتا الحالتين ويقضي يوما مكانه.

       أيضاً نقول: هذا قياس مع الفارق؛ لما يأتي:

       1- أن من أمره بالإفطار أصبح صائما وقال له أفطر، وما يرومه الشيخ الشنقيطي أن يصبح مفطراً خشية توقع أن يزار أو يزور فيرفض الطعام والشراب، والمتوقع ليس كالواقع فقد يترك الصوم ولا يزور ولا يزار.

       2- من يصبح صائما ثم يحل ضيفاً عند أحد أو يحل عنده ضيف وهو صائم يمتثل قوله {أفطر ثم صم غيره}، ومن يفتى له في عدم الصيام في هذه الأيام لا يشمله الأمران؛ لأنه لم يصم ليفطر ويقضي.

       3- أن أيام التشريق هي أيام متممة ليوم النحر في الذبح والنحر، والأيام بعد عيد الفطر ليست متممة ليوم العيد؛ لأنه يوم واحد، إذن لا أفضلية شرعية لفصل صيامها عن يوم العيد شرعاً، بل لمراعاة الناحية الاجتماعية فقط.

       ومع ذلك نقول: إن صام الستة متصلة وحل ضيفاً أو نزل عنده ضيف يفطر ويصم مكانه.

أ.د.عبد الملك عبد الرحمن السعدي
8/شوال/1437
13/7/2016

عدد المشاهدات [447]
الفتوى السابقة الفتوى التالية
أي شيء منشور في المواقع الأخرى و غير منشور في الموقع لا يُعتمد عليه و لا تصح نسبته للشيخ إلا بموافقة من إدارة الموقع .
حقوق الموقع محفوظة و لا يصح النقل الا بموافقة خطية من إدارة الموقع أو الإشارة الى المصدر.
اعلى الصفحة صفحة للطباعة ارسل الى صديق