خطب و دروس

5097 4

الرئيسية » مسائل علمية متنوعة » تكرار العمرة والإحرام بها من الحِل

صفحة للطباعة
ارسل الى صديق
تكرار العمرة والإحرام بها من الحِل

2011-10-13         تكرار العمرة والإحرام بها من الحِل

بسم الله الرحمن الرحيم

تكرار العمرة والإحرام بها من الحل

       يذهب المعتمرون لأداء العمرة، وبعد الانتهاء من أعمالها يرغبون تكرارها لهم أو لغيرهم لإهداء الثواب لهم، ويذهبون إلى التنعيم للإحرام بها.

       وأحيانا الحجاج المعتمرون يكررونها كذلك بعد التحلل من العمرة.

والسؤال هو:

       أ- ما حكم مشروعية تكرار العمرة؟

       ب- هل الإحرام بالمكررة من الميقات أو من الحل (التنعيم)؟

       أرجو بيان ذلك بالتفصيل.

السائل/ أحد المعتمرين هذا العام

 

الجواب:

أولاً: مشروعية تكرار العمرة فيه رأيان:

       الرأي الأول: تكرار العمرة مشروع بدون كراهية، وبه قال: الإمام أحمد، والشافعي، ومن قبلهما عليّ، وابن عمر، وابن عباس، وعائشة، وعطاء، وطاووس، وعكرمة.

واستدلوا على ذلك بما يأتي:

       1- إن عائشة اعتمرت في شهر مرتين بأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- : عمرة مع قرانها، وعمرة بعد حجها.

       2- إن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: {العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما} متفق عليه.

       3- روي عن علي -رضي الله عنه- أنه يقول: في كل شهر عمرة.

       4- كان أنس إذا حَمَّمَ رأسه خرج فاعتمر.

       الرأي الثاني: مشروع مع كراهة تكرارها في السَنة أكثر من مرتين، وهو قول الحسن، وابن سيرين، ومالك، والنخعي.

واستدلوا على ذلك بما يأتي:

      1- أن السلف ما كانوا يعتمرون إلاَّ مرة.

       2- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يفعله - كما يقول النخعي.

       ويجاب عن ذلك: أن السلف لم يكرروها أكثر من مرتين؛ قد يكون لصعوبة الخروج إلى الحِل في ذلك العصر؛ أو لأنهم مشغولون بما هو أنفع للمسلمين؛ وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان مشغولاً بالفتح أو بالحجيج في حجة الوداع، وإلا فكيف يأمر عبد الرحمن ابن أبي بكر بالذهاب إلى التنعيم لتحرم عائشة بعمرة أخرى، ولم يقيد ذلك بالمرة أو المرتين؟! والأصل الإطلاق.

       أما القول: بأنه أمر بالذهاب إلى التنعيم لتحرم بعمرة أخرى لأنها اعتقدت أن عمرة قرانها قد بطلت فهو قول مردود؛ لأنه لو بطلت لأعلمها النبي -صلى الله عليه وسلم- بالبطلان؛ إذ لا يجوز عليه السكوت عن ذلك.

       وأما من يقول: إنها خصوصية لعائشة فعليه ذكر دليل الخصوصية؛ لأن الأصل في أقواله وأفعاله وتقريراته -صلى الله عليه وسلم- عموم التشريع، والخصوصية لا تثبت إلاَّ بدليل يدل عليها.

       فالراجح: جواز التكرار دون تحديد بعدد معين ودون كراهة؛ لما سبق في أدلة الرأي الأول.

       والذين جَوَّزوا التكرار اختلفوا في الموالاة بينها أو التجافي إلى آراء:

       1- بعض الحنابلة يستحب الإكثار من الاعتمار، وأقوال السلف وأحوالهم تدل على ذلك.

       2- عكرمة: يعتمر إذا أمكن الموسى من شعره.

       ويمكن الإجابة عنه: أن هذا لا يشمل المقصر، ثم إن من يعمل العمرة مُتَمَتِّعَاً ثم يُحرم بالحج يكفي منه أن تمر الموسى على رأسه ويُعَدَّ حلقاً ثانياً، مع أنه لم يحصل في شعره تمكين الموسى.

       3- عطاء: إن شاء اعتمر في كل شهر مرتين، فأما الإكثار من الاعتمار والموالاة بينهما فلا يُستجب في ظاهر قول السلف.

       4- رواية عن أحمد أنه لا يُستحب أن يعتمر في أقل من عشرة أيام؛ إذ لابد من أن يحلق أو يقصر وفي عشرة أيام يمكنه حلق الرأس.

       ويجاب عنهما: بأنه نفي للاستحباب لا للجواز، وما علل به يمكن أن يقال في الحلق، وأما التقصير فيمكن التقصير عدة مرات في اليوم الواحد. ومع ذلك: فالحالق الذي لا شعر له يكفي إمرار الموسى فقط قياساً على الأصلع.

       5- رواية الأثرم عن أحمد: إن شاء اعتمر في كل شهر.

       6- طاووس: الذين يعتمرون من التنعيم ما أدري يؤجرون عليها أو يعذبون؟! والمراد بالعذاب إتعاب أنفسهم للذهاب إلى التنعيم للإحرام، ولما سئل لما يعذبون؟ قال: لأنه يدع الطواف بالبيت ويخرج إلى أربعة أميال ويجيء، وإلى أن يجيء من أربعة أميال، قد طاف مائتي طواف، وكلما طاف بالبيت كان أفضل من أن يمشي من غير شيء.

        وهذا ما يفتي به علماء السعودية الآن.

       ويجاب: بأن الطواف عبادة مستقلة وهو لا يعوض عن أعمال العمرة المشتملة على الإحرام وصلاة سنة الإحرام والطواف والسعي بين الصفا والمروة.

       والمشي إلى التنعيم هو عبادة؛ لأنه سعي إلى الدخول بعبادة كالمشي إلى المسجد لأداء الصلاة فيه.

       ولا أرى القول بالتحديد إلا لرفع الحرج عن الذهاب إلى التنعيم مشياً أو على الدواب، أما الآن فلا يستغرق أكثر من نصف ساعة فلا عذاب ولا عسر، لذا أرى أن العلة قد زالت الآن.

       فلا موجب لمنع الحجاج أو المعتمرين من تكرار هذا النسك من قبل العلماء السعوديين.

ثانياً: ميقات العمرة المكررة:

       لا خلاف أن من يخرج إلى خارج الميقات وأراد أن يعتمر وجب عليه الإحرام من الميقات.

       أما من هو من أهل مكة أو دخلها للعمرة، أو أدى العمرة في التمتع وهو ينتظر الإحرام بالحج، فعلى التفصيل الآتي:

        1- الإحرام بالحج: أهل مكة ومن قدم إليها ويريد الإحرام بالحج فإن ميقاته للإحرام به هي مكة نفسها، يُحرم منها ثم يخرج إلى منى أو إلى عرفة، ولا خلاف في ذلك.

       2- أما الإحرام بالعمرة للمقيم بمكة أو عمرة أخرى لغير المقيم فيها وأراد تكرارها لنفسه فإن ميقاته للإحرام بها الحِل (التنعيم) وهو ما يسمى الآن (مسجد عائشة)، بلا خلاف أيضاً.

والدليل على ذلك ما يأتي:

       1- حديث عائشة السابق حيث أحرمت من التنعيم وهو أدنى الحِل وكانت بمكة.

       2- قال ابن سيرين: بلغني أن النبي -صلى الله عليه وسلم- {وَقَّتَ لأهل مكة التنعيم}.

       3- قول ابن عباس (يا أهل مكة من أتى منكم العمرة ليجعل بينه وبينها بَطْنَ مُحَسِّر) أي: لمن أراد الإحرام من جهة مزدلفة؛ لأنه الحد بين الحِل والحَرم.

       4- لأجل أن يجمع في النسك بين الحِل والحَرم؛ لأن أفعال العمرة كلها في الحرم، بخلاف الحج فإنها في الحِل والحرم؛ لأنه يخرج منه إلى عرفة وعند ذلك يجمع بين الحرم والحِل، والتنعيم أقرب الحِل إلى الحرم.

       هذا فيما إذا أحرم بالعمرة الثانية عن نفسه ممن هو ليس من أهل مكة أو للمكي أو المقيم.

       أما إذا أراد أن يحرم بالعمرة لغيره: فحكمه حكم المكي في الإحرام بها من أدنى الحل وهو التنعيم.

       لم يخالف بذلك إلا القاضي من الحنابلة، حيث ذكر وقال: "من دخل يحج لنفسه ثم أراد أن يعتمر لغيره، أو دخل بعمرة لنفسه ثم أراد أن يحج أو يعتمر لغيره، أو دخل بعمرة لغيره ثم أراد أن يحج أو يعتمر لنفسه، فإنه يخرج إلى الميقات ويُحرم منه، وإلا وجب عليه دم".

       وهو الرأي الذي يتمسك به العلماء بالسعودية الآن، وينكرون على من يكرر العمرة من التنعيم سواء كانت له أم لغيره.

       وعلل القاضي ذلك بقوله: إن جاوز الميقات مريداً للنسك غير محرم لنفسه فلزمه دم إذا أحرم دونه لمن جاوز الميقات غير محرم.

       وكذا إذا أحرم عن نفسه ثم أراد أن يحرم بالعمرة أو بالحج لغيره.

       وقد عَقَّبَ ابن قدامة على ما ذكر القاضي بقوله: "وما ذكر القاضي تَحَكُّمٌ لا يدل عليه خبر ولا يشهد له أثر، وما ذكره من المعنى -التعليل- فاسد لوجوه:

       أحدهما: إنه لا يلزم أن يكون مريداً للنسك عن نفسه حال مجاوزة الميقات، فإنه قد يبدو له ذلك بعد تجاوزه.

       الثاني: إن هذا لا يتناول من أحرم عن غيره.

       الثالث: إنه لو وجب بهذا الخروج إلى الميقات للزم المتمتع والمُفْرِد؛ لأنهما تجاوزا الميقات مريدَيْن غير النسك الذي أحرم به.

       الرابع: أن المعنى في الذي تجاوز الميقات غير محرم: أنه فعل ما لا يحل له فعله وترك الإحرام الواجب عليه في موضعه فأحرم من دونه".

       أي: وهذا دخل محرماً من الميقات وبدا له أن يحرم بنسك آخر وهو في مكة فلا يكون إلا مثل أهل مكة.

       وبالتالي فإنه لا دليل لمن يمنع تعدد العمرات ولا في إلزام من يريد تكرارها -وهو ليس مقيماً بمكة- أي يعود إلى الميقات؛ لأن أدلة التكرار وأدلة الإحرام من التنعيم جاءت مطلقة الأحوال والأشخاص.

       فلا يحق للعلماء منع من أدى العمرة من الذهاب إلى التنعيم للإحرام بأخرى أو يمنعه من تعدادها.

       أما التراخي: فقد بَيَّنا أنه لا حاجة إلى تراخي إحداهما عن الأخرى بل يجوز التراخي والتوالي.

والله الموفق


       • يُتَابَع الموضوع وتخريج أحاديثه وآثاره في: المغني لابن قدامة، تحقيق د. عبدالله التركي ود. عبدالفتاح محمد الحلو، ج5، ص16-17 وص59-61.

عدد المشاهدات [5097]
أي شيء منشور في المواقع الأخرى و غير منشور في الموقع لا يُعتمد عليه و لا تصح نسبته للشيخ إلا بموافقة من إدارة الموقع .
حقوق الموقع محفوظة و لا يصح النقل الا بموافقة خطية من إدارة الموقع أو الإشارة الى المصدر.
اعلى الصفحة صفحة للطباعة ارسل الى صديق