خطب و دروس

4414 2

الرئيسية » الأخبار » رأيٌ في مؤتمر الشيشان

صفحة للطباعة
ارسل الى صديق
رأيٌ في مؤتمر الشيشان

2016-09-04        

بسم الله الرحمن الرحيم

(وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)

رأيٌ في مؤتمر الشيشان

       الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين, وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد: فإن من فضل الله على هذه الأمة أن جعل دينها دين الوسطية في التعبد والتعامل مع الآخرين دون إفراط أو تفريط.

       وحرصا مني إلى العودة إلى الوسطية أبين ما يأتي:

       1- السلف هم القرون الثلاثة الأولى, وهي تحتوي على المذاهب العقدية والفقهية, وقد حصل بينهم خلاف في بعض المسائل العقدية غير قطعية الدلالة, وحصل في الفروع الفقهية؛ وذلك بموجب فهمهم للنصوص؛ لأنها باللغة العربية وهي واسعة المعاني, ومع ذلك لم يحصل بينهم نزاع أو جدل أو أحقاد, بل بعضهم يحترم البعض؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أقرَّ خلاف الصحابة في صلاة العصر عندما ساروا إلى بني قريضة بعد أن قال: {فلا يصلين العصر إلا في بني قريضة} فمنهم من صلى في الطريق؛ لأنه فهم أن المراد الاستعجال لا تأخير الصلاة, ومنهم من أخرها إلى وصوله أخذا بظاهر النص، فأقرّ الطرفين.

       وهذا الخلاف الممدوح مستمد من قوله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ) [هود: 118-119].

       والإسلام حرَّم الحقد والكراهية والشحناء فيما بين المسلمين, فهل من المعقول أن يبيحه تحت ذريعة الانتصار للسنة مع المسلم الذي تحصل منه أدنى مخالفة؟!

       2- أما التصوف: فهو الأخلاق التي كان عليها السلف دون إطلاق هذا المصطلح عليها، فهو الزهد, والإيثار, والمحبة للآخرين، ومجاهدة النفس, والعمل بالورع, والحرص على النوافل, والجماعة في المساجد, وقيام الليل، وعدم التكلم إلا بذكر أو قرآن أو كلام خير, ومن أهم الخصال فيه: عدم الحقد والكراهية لمن يخالفهم في الاتجاه؛ مقتدين برسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي تعامل مع اليهود قبل نقضهم العهد؛ فقد قال له تعالى: (وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) المائدة: 13.

       إلا أنه -ومع كل الأسف- ظهر في هذا العصر أناس أدخلوا على التصوف ما ليس منه, فبالوقت الذي كنا نأمل منهم أن يسعوا إلى وحدة الكلمة والاجتماع على الثوابت، إذا بهم يتحاملون على من لم يكن منهم, وتقع منهم حركات تشبه الرقص في حلقات الذكر, ويدخلون الآلات الجارحة إلى أجوافهم، وتصدر منهم ألفاظ غير شرعية، والادعاء على أن الأشاعرة والماتريدية والصوفية هم السنة فقط وغيرهم ليس من أهل السنة والجماعة، مع حرص بعضهم على موالاة الحكام المتسلطين على رقاب شعبهم يحكمونهم بالنار والحديد ويحتكرون السلطة لهم ولحزبهم, فهذا ليس من التصوف الذي عليه الرفاعي والجيلي والغزالي والقشيري، وقد أدى بهم الأمر أن يعقدوا مؤتمرات لتعميق ذلك والتطاول على علماء متناسين دورهم الجهادي والفقهي؛ لأنهم حصلت منهم هفوات لا تستوجب ذمهم وسبهم وتناسي ما حصل منهم من خير مقابل هذه الهفوات الاجتهادية أو كان يندد بالأمور التي شابت التصوف النقي.

       وعتبنا على من هو من أهل العلم والفقه يُقِرُّ ما يقع من جُهَّالِهم ولم يُنكر عليهم كما حدث في مؤتمر الشيشان.

       كما إنا نرى ما يحصل ممن يدعي أنه يتبع السلف من تضليل وتبديع وتكفير وحقد على من لم يتبعهم مهما كان على مرتبة من العلم والصلاح والنفع حتى تطرف منهم من استباح دماء الأبرياء تحت ذريعة مقاومة البدع ومن يموت معهم ممن ليس من أهل البدع سيموت شهيدا، وأن من يخالفهم من الأشاعرة والماتريدية والصوفية ليس من أهل السنة والجماعة, وأنَّ هذا الوصف حكر عليهم لا غير، ومنهم من استخدمه العدو واستغله لتعميق ذلك إثارةً للفتنة وشقا لصف المسلمين وإضعافا لهم وذريعةً لقتلهم، وما دور داعش عن هذا ببعيد.

       لذا أقول: متى تحصل لدى أهل السنة والجماعة صحوة لأن يجتمعوا على الثوابت وأن يتركوا التطرف في ادعاء اتباع السلف أو اتباع أئمة التصوف ليقفوا صفا واحدا أمام الصهيونية والصليبية والصفوية وأن يعيدوا لحمة المسلمين بعد تفتتها بهذه الأمور التي ينمّيها العدو بينهم ليبقى يصول ويجول فيهم وفي بلادهم ودينهم وثرواتهم؟!!

       ألم تكن الدعوة من الطرفين إلى اللقاء والجلوس للحوار في ذلك أفضل؟!

       وأوجه نصيحتي للإخوة في السعودية أن يخفضوا من لهجة التضليل والتبديع جمعا للكلمة, ونصيحتي أيضا إلى من يرى نفسه على مسلك التصوف أن يعود إلى التصوف النقي وترك الأمور الدخيلة عليه وأن لا يمسوا أهل العلم بسوء وإن حصلت منهم بعض الهفوات الاجتهادية اعترافا بما قدموه من خدمة للأمة ... والله ولي التوفيق. 

الناصح
أ.د.عبدالملك عبدالرحمن السعدي
1/ذو الحجة/1437
3/9/2016

       ملحوظة: سبق لنا في كتابنا (البدعة في المفهوم الإسلامي الدقيق) الصادر عام 1413هـ - 1992م أن وضَّحنا فيه ما يحصل من أخطاء ممن يدَّعي أنه متَّبِع للسلف وممن يتطرف ويغلو في التصوف، وَوَجَّهتُ للطرفين النقدَ والنصيحة.

اضافة تعليق جديد

capcha
الاسم
البريد الالكتروني
التعليق
كلمة الحماية captcha  
عدد المشاهدات [4414]
أي شيء منشور في المواقع الأخرى و غير منشور في الموقع لا يُعتمد عليه و لا تصح نسبته للشيخ إلا بموافقة من إدارة الموقع .
حقوق الموقع محفوظة و لا يصح النقل الا بموافقة خطية من إدارة الموقع أو الإشارة الى المصدر.
اعلى الصفحة صفحة للطباعة ارسل الى صديق